ابن كثير
111
البداية والنهاية
محمدا : أكل من نعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده ؟ فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد عيسى . فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعري ورأوا أنه قد احتج وخاصم فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : " كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده في النار ، أنهم إنما يعبدون الشياطين ، ومن أمرتهم بعبادته " فأنزل الله تعالى : ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون ) [ الأنبياء : 101 - 102 ] أي عيسى وعزير ومن عبد من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى . ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله : ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون ) [ الأنبياء : 26 - 29 ] والآيات بعدها . ونزل في إعجاب المشركين بقول ابن الزبعري ( ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا آلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ) [ الزخرف : 57 - 58 ] وهذا الجدل الذي سلكوه باطل . وهم يعلمون ذلك لأنهم قوم عرب ومن لغتهم أن ما لما لا يعقل ، فقوله : ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) إنما أريد بذلك ما كانوا يعبدونه من الأحجار التي كانت صور أصنام ، ولا يتناول ذلك الملائكة الذين زعموا أنهم يعبدونهم في هذه الصور ، ولا المسيح ، ولا عزيرا ، ولا أحدا من الصالحين لان اللفظ لا يتناولهم لا لفظا ولا معنى . فهم يعلمون أن ما ضربوه بعيسى ابن مريم من المثل جدل باطل كما قال الله تعالى : ( ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ) ثم قال : ( إن هو ) أي عيسى ( إلا عبد أنعمنا عليه ) أي بنبوتنا ( وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ) أي دليلا على تمام قدرتنا على ما نشاء حيث خلقناه من أنثى بلا ذكر ، وقد خلقنا حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلقنا آدم لا من هذا ولا من هذا ، وخلقنا سائر بني آدم من ذكر وأنثى كما قال في الآية الأخرى : ( ولنجعله آية للناس ) أي أمارة ودليلا على قدرتنا الباهرة ( ورحمة منا ) نرحم بها من نشاء . وذكر ابن إسحاق : الأخنس بن شريق ونزول قوله تعالى فيه : ( ولا تطع كل حلاف مهين ) [ نون : 10 ] الآيات ، وذكر الوليد بن المغيرة حيث . قال : أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها ، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمرو ( 1 ) الثقفي سيد ثقيف فنحن عظيما القريتين . ونزل قوله فيه : ( وقال لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) [ الزخرف : 31 ] والتي بعدها ، وذكر أبي بن خلف حين قال لعقبة بن أبي معيط : ألم يبلغني أنك جالست محمدا ؟ وسمعت منه وجهي من وجهك حرام [ أن أكلمك - وأستغلظ من اليمين - إن أنت جلست إليه أو سمعت منه ] ( 2 ) إلا أن تتفل في وجهه ففعل ذلك عدو الله عقبة - لعنه الله - ،
--> ( 1 ) في ابن هشام : عمرو بن عمير . ( 2 ) ما بين معكوفتين من سيرة ابن هشام .